أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لا خطـة طـوارئ في الجنـوب ولا ملاجـئ

الثلاثاء 14 آب , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,308 زائر

لا خطـة طـوارئ في الجنـوب ولا ملاجـئ

لم يتم تشكيل هيئات طوارئ، حتى نظرياً، باستثناء المبادرات الخاصة التي تقوم بها جمعيات ومؤسسات صحية أهلية، تماماً كما هو الحال، منذ بدء الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب. ومثلما قال رئيس بلدية إحدى قرى العرقوب فإن أهالي الجنوب ملوا من تكرار الكلام في المنابر السياسية الفارغة التي يعرفونها جيداً، وهم كما كانوا في الماضي وكما سيكونون في المستقبل، يتكلون على قوة المقاومين من شبابهم.

 

شكلت حوادث ذكرى النكبة التي وقعت على الحدود اللبنانية (بنت جبيل ـ علي الصغير) مع فلسطين المحتلة العام الفائت، وما سبقها من مواجهات في بلدة العديسة بين الجيش اللبناني وقوات الاحتلال الإسرائيلي، مناورة باللحم والدم، لما يمكن مواجهته من عمليات إسعاف في أي حرب مقبلة، لاسيما أنه سقط في الواقعتين عدد من الشهداء والجرحى، وقدمتا صورة عن ردة فعل الجهات الأهلية والصحية، ومدى استعدادهم لأي طارئ.

وكشفت الواقعتان عن وجود ثغرٍ في تعامل بعض الجهات الصحية مع أي طارئ من ذاك النوع، في حين سجلت جهات أخرى نقاطاً ايجابية.

وتعتبر المستشفيات ومراكز الطوارئ الصحية العمود الفقري لأي خطة طوارئ، وأولها «مستشفى بنت جبيل الحكومي»، فهو يضم 120 سريراً، يعمل منها حالياً 60 فقط، بتجهيزات حديثة، وربما الأحدث في الجنوب، بالإضافة إلى نحو 140 طبيباً في جميع الاختصاصات.

ويشير رئيس مجلس الإدارة د. توفيق فرج إلى أن المستشفى أثبت فعاليته في حوادث ذكرى النكبة، إذ نقل إليه 31 جريحاً بالرصاص وأجريت لبعضهم عمليات دقيقة في الكلى والطحال. ولم يقم المستشفى بنقل أي جريح إلى خارجه. ويوضح أن لدى المستشفى خطة مدروسة مع الأطباء وجهاز التمريض، تشمل تجهيز اللوازم الطبية والتحاق الجميع بمراكزهم، في حال حدوث أي حرب أو اعتداء أو انفجار.

واستطاع «مستشفى الشهيد صلاح غندور» التابع لـ«الهيئة الصحية الإسلامية»، أن يتجاوز اختبار يوم العودة، ومعالجة أكثر من تسعين جريحاً، كان بعضهم في حالة حرجة، على الرغم من أنه لا يتسع لأكثر من 44 سريراً، وتم حينها تحويل بعض القاعات إلى غرف لاستقبال المصابين. ووفق مصادر متابعة فإن مثل تلك المراكز دائمة الاستعداد للحالات الطارئة خصوصاً أن المنطقة الحدودية معرضة دائماً لاهتزازات أمنية. استناداً إلى دراسة صحية تعود للعام 2004، فإن المنطقة تحتاج في حالة السلم إلى 200 سرير طبي (سرير لكل ألف نسمة)، ويمكن مضاعفة ذلك الرقم في حالات الحرب، بينما لا يوجد في المنطقة حاليا أكثر من 130 سريراً في الخدمة، تتوزع على مستشفيات «بنت جبيل الحكومي» و«الشهيد صلاح غندور» و«تبنين الحكومي»، الذي لم يختبر بعد بشكل جدي. 

على صعيد نقل المصابين والإسعافات الأولية، تقول مصادر «الصليب الأحمر اللبناني» و«الدفاع المدني» في «الهيئة الصحية الإسلامية» و«جمعية الرسالة»، إنها في حالة جهوزية على الصعيدين البشري والآليات، ولا تميز بين حالات السلم والحرب، مع إمكان الاستعانة بكوادر إضافية، والتنسيق مع الأجهزة المحلية في الحالات الطارئة، لاسيما البلديات والقوى الأمنية، في حالات قطع الطرق وحصول الانهيارات.

ويقتصر دور البلديات على إجراء مسوح بعدد الآليات الثقيلة الموجودة في كل بلدة، لاسيما الجرافات وأدوات رفع الأنقاض. وقد عملت على ذلك الأمر خلال عدوان تموز 2006، وإن كان بشكل أقل تنسيقاً، كما عملت بعض البلديات في القرى التي يوجد فيها ملاجئ قديمة على تنظيفها.

ويمكن للعلاقات الطيبة مع قوات «اليونيفيل»، وفق البعض، المساعدة في تأمين خروج آمن للعائلات والمدنيين من المناطق المشتعلة، مع أن بعض التجارب مع قوات الطوارئ الدولية خلال حرب تموز لم تكن مشجعة.

 

صور: الحاجة إلى صيانة

 

في أواخر الستينيات من القرن الماضي، ومع تكرار الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الحدودية، بنت الدولة اللبنانية ملاجئ في بعض القرى التي كان يتمركز فيها الجيش.

وقد شجع ذلك على قيام مبادرات حزبية وأهلية، بإنشاء المزيد من الملاجئ، فامتدت إلى قضاء صور (حسين سعد). 

لكن خلال حرب تموز العام 2006، لم تكن غالبية الملاجئ صالحة للاستخدام، بعدما تهدّم بعضها، وتحوّل البعض الآخر خلال فترة الاحتلال إلى مخازن «للتبغ» أو تخزين المياه، أو استعمالات خاصة، عدا عن كونها لم تبن أصلاً لتحمل الصواريخ والقذائف التي انهمرت على الجنوب.

وفي الذكرى السادسة للعدوان، لا يزال الجنوب من دون ملاجئ، بينما تقتصر الاستعدادات على المجالات الصحية والإغاثة لدى الجمعيات والمؤسسات بشكل خاص. 

فقد احتضن «مستشفى صور الحكومي» خلال حرب تموز جثامين 528 شهيداً، ومئات الجرحى. ومنه كان يتم توزيع الجرحى على المستشفيات، وها هو من دون رعاية واهتمام، منذ ست سنوات، لا بل على العكس فإن وضعه الخدماتي والصحي في تراجع.

وتقول مصادر على صلة بالمستشفى الخاضع لإدارة عسكرية والتابع لوزارة الصحة إن قسم العناية الفائقة الذي جرى تجهيزه في أعقاب الحرب متوقف عن العمل، بينما يحتاج قسم الأشعة إلى صيانة، ويفتقد المستشفى إلى مولد كهربائي، ما دفع الإدارة إلى استئجار مولد بهدف استمرار العمل.

ويلفت رئيس فرق الإسعاف والطوارئ في «الصليب الأحمر اللبناني» في منطقة صور قاسم شعلان، إلى أن فرق الإسعاف والطوارئ في المنطقة، التي تضم نحو مئة وعشرين متطوعاً، على أتم الجهوزية الميدانية.

ويقول إن حرب تموز شكلت محطة مهمة في تفعيل عمل الفرق، وتطوير مهاراتها على الصعد كلها، مؤكداً أن التدريبات وإجراءات الطوارئ قائمة بشكل دائم، بالتنسيق مع المعنيين.

ويقول مفوض عام «كشافة الرسالة الإسلامية» حسين قرياني إن فرق الدفاع المدني في الجمعية جاهزة تحسباً لأي عدوان، أو حتى التعامل مع الكوارث الطبيعية، وغيرها من الأمور المتعلقة بمهمات الدفاع المدني.

وتؤكد مصادر في «الهيئة الصحية الإسلامية» أن الاستعدادات تحسباً لأي حرب محتملة لا تتوقف، وأن الجهوزية في الهيئة تشكل جزءاً من عملها اليومي. 

أما «الدفاع المدني» الذي يقيم مراكز ثابتة في صور وعدد من بلداتها الرئيسة، فلا تختلف استعداداته عن الآخرين، من خلال العناصر والمتطوعين الذين يزيد عددهم على الخمسين، لكنهم يفتقدون إلى الآليات المطلوبة، لاسيما الجرافات.

ويؤكد رئيس اتحاد بلديات صور عبد المحسن الحسيني عدم وجود الأدوات اللوجستية لدى الاتحاد، ولاسيما الجرافات، ليبقى الاعتماد الحقيقي في هذا المجال على الجيش.

يضيف إن البلدية أنشأت بالتعاون مع «الوكالة السويسرية للتنمية»، منذ فترة وجيزة، هيئة طوارئ ستأخذ على عاتقها الاستعدادات لمواجهة أي حرب مقبلة أو كارثة طبيعية، مبدياً أمله بتأمين الآليات اللازمة.

 

العرقوب: الدولة غائبة

 

يتفق أهالي قرى خط التماس في العرقوب (طارق أبو حمدان) وفي مقدمهم رؤساء بلديات ومخاتير على تخلي الجهات الرسمية، عن مقومات صمود أبناء المنطقة التي عانت الكثير من الحرمان والإهمال.

يترّحم رئيس بلدية كفرشوبا الدكتور قاسم القادري،على أبناء البلدة الراحلين، الذين قضوا قبل ان يتقاضوا ما لهم على الدولة من تعويضات مقررة منذ العام 1969. ويقول إن معاناة كفرشوبا هي نفسها في معظم القرى المحيطة التي جاد أبناؤها بالدماء، فإذا بها تحتاج لقطرات الماء، ولا تزال تعيش العطش كل صيف، وتقاوم نزوح أبنائها لعدم توفر فرص العمل، بسبب غياب التنمية وتقصير الدولة. لا ملاجئ ولا مستوصفات، ولا تموين يكفي لفترة طويلة. لا خطة لمواجهة حالات الطوارئ، وعلى كل مواطن تدبير أمره بنفسه.

عقود من الحرمان والإهمال والاحتلال عاشتها ولا تزال قرى خط التماس في العرقوب، كما يقول نائب رئيس بلدية شبعا صافي نصيف، فهذه القرى لم تنل إلا القليل من الخدمات الإنمائية والصحية، فيما أهالي شبعا يدعون في كل مناسبة إلى تأمين حقهم في الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، وأولها دفع التعويضات عما تبقى من منازل، وإزالة القنابل العنقودية والألغام التي تغطي مساحات شاسعة من أراضيها. وطالب نصيف بضرورة وضع مستشفى شبعا المنجزة منذ 4 سنوات في الخدمة، لأنها حاجة ملحة في هذه الظروف، خصوصاً أن العدو يعمل مع كل عملية عسكرية، على عزل البلدة عن جوارها، ما يحدّ من حركة الأهالي. ويشير إلى أن البلدية أمّنت مولدات كهربائية بقوة ألف «واط»، تزوّد البلدة بالتيار، لكن المهم تأمين مادة المازوت عند حصول أي عدوان كي تتمكن من تشغيلها، لذلك ستعمل البلدية على تخزين كمية من المحروقات من أجل الحالات الطارئة.

يعدّد رئيس بلدية الماري يوسف فياض المشاكل التي تواجه البلدة ولا تزال، وهي انقطاع مياه الشفة والكهرباء، عدم وجود مركز صحي، بينما المستوصف الصغير غير مجهّز بمعدات طبية، وما فيه من أدوية لا يفي بالحاجة المطلوبة لمواجهة الحالات الطارئة والحصار الطويل.

ويعتب رئيس بلدية الهبارية عطوي عطوي على الدولة الغائبة، ويقول إن «الجمعية الإسلامية للرعاية أمّنت خلال حرب تموز الخبز للمنازل، ولم تستفد الدولة من تلك المرحلة، وإنما غابت عن مهماتها. في بلدتنا عشرة ملاجئ صغيرة قديمة، ولدينا مستوصف صغير تابع للإنعاش الاجتماعي، بإمكانات بسيطة، بينما دفع حزب الله جزءاً من التعويضات الخاصة بالمنازل المتضررة، ولم تدفع الدولة تعويضات الأضرار في المواسم الزراعية والمؤسسات الخاصة».

ويشدد رئيس بلدية كفرحمام علي فارس على دور المواطن الفرد، في تدبير أمور عائلته، خلال الحالات الطارئة، فالدولة غير آبهة بحاجات الصمود، وتلك عبارات مللنا تردادها.

ويرد رئيس بلدية شويا سليم أبوسعد الصمود في وجه العدو، إلى إرادة المواطن وقدرته فقط، فلا الكهرباء ولا الدواء ولا الملجأ ينفع مع سقوط القذائف، والمطلوب توعية الناس على مخططات العدو، وحثهم على البقاء في أرضهم، مهما كانت الصعاب، يضيف قائلاً: فقرانا فيها من الخيرات ما يكفي للعيش فترة طويلة، وعلينا تأمين مادة الطحين.

وينطلق رئيس بلدية الدلافة جهاد ياسين من أن الجميع يعرف عدم وجود مقومات صمود في قرانا الحدودية، والمطلوب إدارة ذاتية في كل بلدة، وتشكيل لجان تهتم بتأمين الحاجات الضرورية، بالتعاون مع الجمعيات والهيئات الشعبية.

 

النبطية: تشكيل لجان

 

في ظل التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة بشن حرب جديدة على لبنان، تبدي المؤسسات البلدية والصحية والاجتماعية في منطقة النبطية (عدنان طباجة) استعدادها لتأدية أدوارها بأفضل مما كانت عليه أثناء حرب تموز. ويدعو القيّمون عليها إلى التعاون والتنسيق في ما بينها وبين الأجهزة الرسمية والسياسية.

تتمثل الملاجئ في الوقت الحالي في عدد من قاعات المدارس الرسمية والخاصة في مدينة النبطية دون غيرها من القرى والبلدات المجاورة.

وتحاول المؤسسات المعنية الإفادة من الأخطاء والثغر التي شابت عملها أثناء حرب تموز، لاسيما على صعيد تأمين المياه والكهرباء والمحروقات والمواد الغذائية والتموينية والأدوية والمستلزمات الطبية وغيرها.

وقد لعبت المستشفيات الرسمية والخاصة في منطقة النبطية دوراً مهماً أثناء الحرب على الصعيدين الصحي والإنساني. وفي هذا الإطار يقول مدير «مستشفى النجدة الشعبية اللبنانية» في النبطية الدكتور علي الحاج علي: «استفدنا من تجاربنا أثناء حربي 93 و 96، وأثناء حرب تموز استقبلت المستشفى العشرات من الجرحى والشهداء، وقمنا بالإسعافات اللازمة والعمليات الجراحية على مختلف أنواعها، وفي فترات الهدوء كنا نرسل الإصابات الخطرة إلى مستشفيات صيدا وبيروت. وقمنا بعمليات الإغاثة الميدانية لعشرات المواطنين المهجرين من قرى جنوب الليطاني وتأمين الأدوية والمواد الغذائية لهم، ومن ثم نقلهم إلى صيدا، إضافة إلى تأمين تلك المواد للعديد من الأهالي الصامدين في منازلهم».

ويشدد على استعداد المستشفى للقيام بالدور نفسه الذي قامت به أثناء حرب تموز، في حال حصول عدوان جديد، مشيراً إلى أن موظفي المستشفى لم يقبضوا رواتبهم منذ ثلاثة أشهر بسبب تأخر وزارة الصحة في دفع الأموال المترتبة عليها للمستشفى. ويسأل كيف يمكننا تأمين مقومات الصمود في ظل هذا الوضع؟ وكيف نستطيع تأمين الاحتياط من المواد والمستلزمات الطبية والمحروقات والمواد الغذائية في حال حصول عدوان جديد؟

ويرى أن الصمود أثناء الحرب يحتاج إلى وجود خطة طوارئ تتعاون فيها مؤسسات المجتمع والدولة.

لم يختلف دور «مستشفى النبطية الحكومي» عن دور «مستشفى النجدة الشعبية» في حرب تموز. ويشرح مديرها العام الدكتور حسن وزني ذلك: «كنا في أجواء اندلاع الحرب، لذلك قمنا بتجهيز المستشفى لمدة شهر ونصف من الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الغذائية والمحروقات، وقمنا بتخزينها في أماكنها، ووضعنا خطة طوارئ سريعة مؤلفة من 27 طبيباً من اختصاصات الطوارئ والجراحة والعناية والإنعاش والعظم، يساعدهم 70 موظفاً من الممرضين والإداريين».

وقد عانى «مستشفى النبطية الحكومي» من انقطاع المياه والكهرباء والمحروقات. لذلك يشدد وزني على ضرورة إيجاد الحل اللازم لتلك المشاكل. ويلفت إلى أن وزارة الصحة لم تقصر بواجباتها تجاه المستشفى، لكن المشكلة كانت تكمن في تأمين نقل المواد والمساعدات الطبية من بيروت إلى النبطية، لعدم توافر وسائل النقل وقطع الطرق، مشيراً إلى أنه تمّت الاستعانة بالسائقين العموميين الذين كانوا يغامرون بأرواحهم.

ويؤكد رئيس البلدية الدكتور أحمد كحيل أن «بعد تجربة حرب تموز عام 2006، وضعت خطة طوارئ لمواجهة احتمال وقوع حرب جديدة، تشمل إزالة الركام والأنقاض، وفتح الطرق، بالتعاون مع الدفاع المدني، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والهاتف، وتزويد المواطنين بالأدوية والمواد الغذائية والتموينية اللازمة، والتواصل معهم، وتشكيل لجان خاصة تعنى بتطبيق تلك الخطة».


Script executed in 0.21881699562073