أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

صـدقي المقـت.. عميـد الـنـضـال المشتهـى

الجمعة 24 آب , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,837 زائر

صـدقي المقـت.. عميـد الـنـضـال المشتهـى

هي إحدى «نظريات» عميد الأسرى العرب والسوريين المحرّر، أمس الأول، صدقي المقت التي يحفظها عنه بعض من رافقه في مراحل أسره الطويلة. لم تنجح سنوات الأسر الـ27، المثقلة بالقسوة والمرارة، في أن تخطف من قلب ابن الجولان «المشاغب» حبه للنضال، وصلابته في وجه أعدائه.. وهكذا بقيت تلك المقاومة الجميلة شهيّة في عينيه، كما كانت دائماً. يُروى الكثير عن صفات صدقي وعن ميزاته، وتوقّع بيانات كثيرة لمناسبة الإفراج عنه تحتفل بنصر محقّق للعرب أجمعين. ولكن ذلك لا يختصر رجلاً، كان قرّر سلفاً وبشكل استثنائي أنه لا يتعب.. ولم يتعب. وقد أظهر صدقي «استثنائيته» في كثير من المحطات. هكذا يخبر من عايش أسره. يكفيه أنه نجح في إزعاج الأعداء حدّ إجباره على إكمال محكوميته حتى اللحظة الأخيرة. وهو أمر غير معتاد في العُرف الإسرائيلي، فالمحكوم بفترة سجن معينة إما يموت قبل إتمامها أو يُعرض على لجنة مختصة بعد إنهاء ثلثي المحكومية لإعادة النظر بإجراءات تخفيفية. لم يتصوّر العدو منح صدقي هذا الامتياز، وهو بدوره أبى منحهم «امتياز» استسلامه منهياً محكومية تعدّ من الأطول في تاريخ الأسر. أما الأكثر دلالة على مدى الانزعاج الإسرائيلي منه، فكانت الطريقة «المهينة»، بحسب ما يعلّق الأسير المحرّر نبيه عواضه الذي عايش صدقي حوالي الثماني سنوات في عسقلان (4 منها في زنزانة واحدة)، للإفراج عنه. لم يتّبع تحريره الآليات المعتادة، حيث يتم التنسيق مع الأهل والجهات المختصة ويجري التسليم بطريقة رسمية. القوات الإسرائيلية رمت صدقي أمام مقام في الجولان قرب «كريات شمونه» في الصباح الباكر، وبعدها اتصلوا بأهله ليذهبوا ويحضروه من هناك. يتحدث عواضة عن شخصية «صلبة حدّ التطرّف» تميّز صدقي. كان رافضاً لأي حديث عن تسوية سياسية أو حلّ بالمفاوضات. المقاومة هي حلّه الوحيد. وقد جعلته هذه الشخصية العروبية والقومية القحّة ورقة مساومة في المفاوضات الإسرائيلية كأسير بارز، علماً أن إسمه حُذف مرات عدة عن لوائح تبادل الأسرى. وأكثر ما يتذكّر عواضة عن صدقي هو «تفاؤله حتى في أحلك الظروف»، كان يحلم بأن المقاومة ستأتي لتحرره من السجن. بدوره، يروي الأسير المحرّر أنور ياسين، وهو عايش صدقي حوالي 17 عاماً، صفات عميد الأسرى، المولود في مجدل شمس، قائلاً إنه من النوعية التي تعبت على نفسها في السجن ومن أكثر من اتقنوا كيفية استغلال الوقت خلال الأسر. وعُرف صدقي بشراسته في مواجهة السجانين، لا سيما العرب منهم من عرب 48، لم يكن يستوعب بعروبته الجياشة كيف يمكن لعربي ان يسلك طريقاً مماثلاً. وكان اجتماعياً إلى أبعد الحدود، يهتم بعقد الاجتماعات والندوات داخل الزنزانة، ويعرف كيف يدير الحوار ويحافظ على التجدّد في الوعي والحياة رغم ظروف الأسر الصعبة. صحيح أن صدقي، حسب ياسين، خرج في ظروف صعبة تمرّ بها سوريا والمنطقة وهو ما خفّف من حدة البهجة المرافقة للحدث، إلا أنه يبقى رسالة مشهورة في وجه المحتل يلخصها أنور ناقلاً عبارة صدقي الشهيرة «إرحل أيها المحتل.. إن لم ترحل بالكلمة سترحل بالصاروخ.. سترحل». يُذكر أن صدقي، المولود في العام نفسه لاحتلال الجولان 1967، نشأ وترعرع في أسرة مناضلة، عايشت اعتقاله وأخيه بشر الذي أتمّ 25 عاماً حتى خروجه قبل سنتين. توّج نضاله العام 1982 الذي شهد الإضراب الكبير ووقوع العديد من الشهداء، وبادر مع مجموعة من رفاقه هم مدحت الصالح، الشهيد سيطان الولي والشهيد هايل بو زيد والرفاق عاصم الولي إلى جانب شقيقه بشر إلى تأسيس «حركة المقاومة السرية». ونجحت الحركة في الاستيلاء على عدد من القنابل اليدوية والألغام الأرضية المنتشرة في أحد المخازن العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي. واشترك في كافة عمليات المقاومة، وجولات الرصد والاستكشاف الميداني للمواقع العسكرية الإسرائيلية المنتشرة في مرتفعات الجولان المحتل، وكان أحد المشرفين على عملية الاستيلاء على المعدات العسكرية والقنابل اليدوية من مخزن عسكري إسرائيلي قرب مستوطنة «نفي ابيب». وهو احد منفذي عملية تفجير معسكر إسرائيلي قرب قرية بقعاتا. وفي ليلة 23 آب العام 1985، وبعد 12 يوما من اعتقال شقيقه، اعتقلته سلطات الاحتلال العسكرية بتهمة مقاومة الاحتلال، ثم حكمت عليه محكمة اللد في العام التالي بالسجن لمدة 27 عاما. وفي كلمته أمام طاقم المحامين ومحامي الصليب الأحمر الدولي وقاضي المحكمة العسكرية، قال «أنتم اغتصبتم ارضي، ومن حقي الدفاع عنها ومقاومتكم، لا اعترف بشرعية محكمتكم الصورية هذه»، وانشد مع رفاقه النشيد العربي السوري «حماة الديار»، فطرد من قاعة المحكمة ورفاقه الباقين.تنقل بين مختلف المعتقلات: نفحة، عسقلان، بئر السبع، الرملة، الدامون، هداريم، تلموند، الجلمة، شطة والجلبوع... كما عُزِل وعُوقب وحُوكم عشرات المرات في الزنازين، ومُنع من زيارات الأهل.حافظ صدقي على الروحيّة ذاتها بعد مرور كل هذا الوقت، ورغم إصابته ببعض الأمراض (علماً ان عددا من مجموعته أصيب بمرض السرطان في اوقات متقاربة ما طرح علامات تساؤل على وقوف الاحتلال وراء الأمر). وعندما وطئت قدمه أرض بلدته وسط استقبالات حاشدة جدّد خطابه بالتأكيد على «مواصلة مقاومة الاحتلال بعد عودته إلى الاهل في الجولان المحتل». وقال «هزمتك أيها المحتل وهذه السنوات التي أمضيتها في المعتقل تحولت بفعل الصمود والثبات الى لعنة تلاحقكم وتصرخ في وجهكم ليلا نهارا.. ارحلوا». وكان «حزب الله» أصدر بياناً وجه فيه التحية لـ«بطل آخر يفك قيود الأسر ويعانق الحرية. البطل العربي السوري صدقي سليمان المقت، الذي لم تنل من عزيمته كل سنوات الاعتقال والقهر، فبقي حراً شامخاً رغم مرارة الأصفاد وغطرسة الجلاد».وإذ عبّر البيان عن «افتخار» الحزب بصدقي «رمزاً آخر من الرموز الكبيرة للمقاومة ورفض الخضوع لقوى الاحتلال»، «أهاب بالجميع أن يتجاوزوا الصراعات والانقسامات والفتن، وأن يوجّهوا طاقاتهم لمحاربة العدو الصهيوني بما هو عدو للأمة جمعاء».


Script executed in 0.20005321502686