أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سقطت خيزرانة «أبو يحيى».. سقطت أعياد الدبكة

الثلاثاء 02 تشرين الأول , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 8,104 زائر

سقطت خيزرانة «أبو يحيى».. سقطت أعياد الدبكة

كان مركز الجذب في سهرات السمر والأعراس والحفلات، وقد كانت أعياد «السفير» مقرونة دائماً بطلته التي لا تنسى.. طلته التي طالما أصابتنا بذهول لا نشفى منه.

كان الرجل الثمانيني لا يزال يحتفظ بكل لياقته وعنفوانه وهمته العالية وصرخة جسده وليونة مفاصله. ربما كان يضغط على نفسه ليبدو كذلك، كان ينهض بجسده كي تتفتق الرجولة في عروقه، وتدب الشهوة في عينيه، وتتدفق الطراوة في مفاصله.. كنا نراقبه كما نراقب راقصاً نجماً هلّ علينا من التاريخ.. كان النقيض الواضح لراقصي اليوم.. المعلّم الذي يعطي دروساً في الدبكة من دون أن يكون طالباً عند أحد. 

أخيراً وقع الرجل، وأسبل يديه لله، وهدأت الحياة في قدميه.. هو الذي كانت الحياة تضج في كل مسامه، ويضج بها في كل مكان يدعى إليه. بل كان جسده يحيي وحده مهرجاناً، فكيف إذا كانت معه فرقته، وقد رأينا كيف ترتج الأرض تحت أقدامهم. لم يرضَ أبو يحيى أن يكون تقليدياً، ولم يكتفِ بالإرث، وإن بقيت دبكته بعلبكية بامتياز. صحيح أنه عندما كان يقف على «الحاشي» كان يقطر بيده أجيالاً متعاقبة من الدبيكة، إلا أنه لم يركن إلى تقليد سابقيه، إنما عمل على أن يحافظ على تمييز دبكته، ولا أقول تحديثها، عندما أضاف إليها بعضاً من فنه ونفسه، لتصبح احترافاً أصعب لا يطرق بابه أي كان من الهواة... كل ذلك فتح عيون المغنين الكبار عليه فرافقهم حفلاتهم وأغنى أجواءها، كما رأيناه في فيلم «البوسطة» وسواه، وفي كل مشهد أراد صانعوه أن يظهروا الفولكلور اللبناني بأحسن حالاته. 

عندما أسس أبو يحيى فرقة «هياكل بعلبك» عاهد الجميع، واضعاً إصبعيه على شاربيه المعقوفين، على أن يكون ذلك الفارس الذي يحرس التراث ويصونه وينفض عنه الغبار ويزيده رونقاً وألقاً. فهو، منذ البداية، أتقن «العرجا» و«الزينو» و«العسكرية» و«الشمالية» وغيرها. كانت الدبكة تسري في دم أبي يحيى (زكريا إسماعيل صلح)، منذ ربيعه السادس عشر، في حي صلح، الذي كان مقصد من يفرّون، في الليالي الملاح، ليروا كيف يكون اللعب فناً، وكيف يكون الرقص رجولة بخصور مشدودة، وأقدام تهدر كمعركة، وإيقاعات تطلق أحصنتها في دم الحاضرين. 

سقطت الخيزرانة من يده.. وصار متساوياً مع الدبيكة الراقدين معه. هو الذي لم يكن أحد يجرؤ الوقوف بجانبه أو في صفه. إذا حضر غيّب كل الفرسان، فالعيون دائماً شطره، هو محور العيون الذاهلة، يقع الجميع تحت سحره، وينجذبون إلى غضبه وانفعالاته الجميلة وانعطافاته الرشيقة ولعبه الجميل. 

سقطت ذاكرة الدبكة البعلبكية أخيراً في الكتب والصحف، وبات أبو يحيى رمزاً مهماً في متحف الفنون. وصار المكان شاغراً. حتى همومه سحبها معه، كي لا يكتشف أحد أنه كان لا يلوذ على شيء، سوى تلك المتعة التي تملأ وجهه علامات فرح تتقافز ما دامت الدبكة مشتعلة. لم يتوقف عند حواجز الشيخوخة، كانت النخوة والأكتاف المتراصة وجيش الحماسة تشده دائماً إلى المسرح، وإلى الضوء... لكن حاجز الموت أطفأ شعلته وبقي رمزاً بعلبكياً لا يُنسى.

 

احمد بزون


Script executed in 0.17297291755676