أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ميقاتي العابر للقارّات

الجمعة 02 تشرين الثاني , 2012 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,840 زائر

ميقاتي العابر للقارّات

آخر ما كان الرئيس سعد الحريري يتوقعه هو أن ينازله الرئيس نجيب ميقاتي على «ساحته»... الدولية. فقد بدا واضحاً للنواة الصلبة في 14 آذار ان اسقاط لحظة 14 شباط 2005 الدولية على واقع اغتيال اللواء وسام الحسن عام 2012 أضغاث احلام. باختصار، العالم تغيّر. والحريري الذي كان يظن أنه لا يزال الابن المدلل للمجتمع الدولي، اكتشف، فجأة، ان ميقاتي صار محل رهان دولي على دوره في ملفات حيوية، أبرزها الاستقرار اللبناني ذو الصلة بالأمن الاقليمي والاوروبي خصوصاً، وملفات أخرى ذات اهتمام دولي.

 

جرى كل هذا التبدل في موقف الغرب لمصلحة ميقاتي على حساب الحريري، تحت انف الاخير، فيما عيناه لم تكونا ترصده. اليوم، بات بامكان الحريري، وحليفه الرئيسي سمير وجعجع، ان يتنبها الى وقائع تغيّر النظرة الدولية إلى ميقاتي من «رئيس لحكومة حزب الله» الموضوع تحت المجهر الدولي لاختبار سلوكه كرئيس للحكومة، الى «ميقاتي الدولي» الذي يربط الغرب بين استقرار لبنان في هذه المرحلة واستمراره في رئاسة الحكومة.

 

«ميقاتي الأفضل»

 

بعد «غزوة السرايا»، شعرت واشنطن بالحرج من «المبالغة» في طريقة تعبيرها عن دعمها لرئيس الحكومة اللبنانية. وهو حرج نتج عن «العجلة المشوبة بالهلع» التي أبدتها أذرعها الدبلوماسية لنجدة ميقاتي من هجمة 14 اذار. حتى رئيس المجلس النيابي نبيه بري أبدى استغرابه من انهمار الاتصالات المتتالية لممثلي الدول كبرى والاتحاد الاوروبي، من الخارج، يطلبون مواعيد عاجلة للبحث في منع الفراغ في لبنان، والحؤول دون اسقاط حكومة ميقاتي، أقله في هذه المرحلة، وقبل توافر بديل له.

وبحسب مصدر مطلع، فإن هذا «الحرج» هو الذي استوجب زيارة نائبة وزيرة الخارجية الاميركية اليزابيت جونز الى لبنان. والهدف هو اعادة الدبلوماسية الاميركية الى روزنامتها في التعبير عن مطلبها الاساس، الذي لا يزال قبل زيارتها وبعدها، هو ذاته: منع الفراغ.

لكن بين الأسطر، تأكيد العمل بقناعة غربية بأن ميقاتي هو الأفضل لرئاسة الحكومة في الظرف السوري الراهن، ومرحلة انجاز ملفات مهمة اخرى. ويعود الفضل في ترسيخ هذه القناعة الى الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، قبل أن تتبنّاها لاحقاً ادارة باراك اوباما، بفضل توصية من السفير فريدريك هوف، الاكثر خبرة داخل فريق صناعة القرار في أهم ملفات واشنطن في المنطقة: غاز المشرق، ومسارا التسوية السورية واللبنانية مع اسرائيل، والأزمة السورية.

يروي مصدر دبلوماسي لـ«الأخبار» وقائع لقاء ميقاتي بساركوزي في باريس في شباط الماضي، وهو اللقاء الذي اطلق على أثره ساركوزي مقولة «ميقاتي هو الأفضل». ويوضح المصدر أن «الحريري قاد قبيل الزيارة حملة اتصالات كثيفة بهدف افشالها، لكن بعد ايام قليلة من انتهائها، وصلته اخبار سيئة للغاية نقلها دبلوماسيون لبنانيون التقوا المستشار الدبلوماسي لساركوزي جان ديفيد ليفيت. نقل هؤلاء عن الدبلوماسي الفرنسي أن ساركوزي خرج من المحادثات مع ميقاتي معجباً بطريقة عرض رئيس الحكومة اللبنانية للأمور، وخصوصاً لسياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية. وأشار ليفيت إلى أن باريس قررت، بنتيجة الزيارة، فتح صفحة جديدة في التعامل مع ميقاتي، وطي صفحة ملابسات خلافته الحريري على رأس الحكومة.

 

هولاند أيضاً

 

التوجّه الفرنسي انسحب على الادارة الفرنسية الجديدة. فخلال لقائهما في نيويورك، على هامش اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة، تصرف الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند مع ميقاتي بطريقة تؤكد ان الإليزيه لا يزال ملتزماً تطبيق نظرة ساركوزي اليه، إذ أكد هولاند دعمه لسياسة النأي بالنفس، ولـ «الاستقرار الاقتصادي الذي ينتهجه»، واعداً بأن ادارته «ستعمل على تفعيل باريس 3، وعلى حث الاتحاد الاوروبي على تقديم مساعدات مالية إلى لبنان». والاهم ان هولاند رأى «أن الاستقرار الناتج عن نهج ميقاتي أمر حيوي لفرنسا، التي لديها جنود في جنوب لبنان، الى درجة انه يكاد ان يكون جزءاً من الامن القومي الفرنسي».

ويقول مراقبون فرنسيون إن زيارة ميقاتي المرتقبة إلى باريس سترسي علاقة شراكة غير مسبوقة بينه وبين هولاند، بشأن ملفات حيوية للبلدين، وتؤدي الى نقل عناوين الدعم الفرنسي، ولا سيما «باريس 3» الذي كان الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك قد خصّ الحريري الأب به، الى ميقاتي. ويرى هؤلاء أن الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة إلى باريس، إضافة إلى زيارة قطر، ستؤديان الى انتقال عناوين الدعم العربي والدولي، الذي حظيت به الحريرية السياسية ايام الرئيس رفيق الحريري، الى «الميقاتية السياسية».

 

أوباما و«حكمة ميقاتي»

 

القناعة نفسها ذات النشأة الساركوزية عن ميقاتي الأفضل، (والبعض يقول إن ليفيت قال «الأفضل»)، وصلت، ايضا، الى فريدريك هوف، المكلف من الادارة الاميركية «حصر جهده» لحل ملف الغاز بين لبنان واسرائيل. فبعد زيارته الأخيرة لبيروت، رفع هوف إلى الادارة الاميركية تقريراً ضمّنه اقتراحات عن الطريقة المثلى لمقاربة موضوع الغاز اللبناني دبلوماسياً. ومما ذكره هوف في تقريره أن «الادارة الاميركية تقدّر التعاون المنهجي لميقاتي بخصوص مقترحاتي لحل قضية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل، والبدء بالتنقيب عن الغاز». وبكلام موجز، بحسب مصدر دبلوماسي، فإن ميقاتي محل رهان اكثر من تكتيكي على دوره من جانب واشنطن، بسبب استراتيجية ملف الغاز في حسابات واشنطن الشرق أوسطية. وهذا ما يفسر الهلع الذي اتسم به التحرك الاميركي لنجدته من هجوم 14 اذار لإسقاطه.

 

قصة التحول

 

ونقطة البداية في تحول النظرة الدولية الى ميقاتي، كانت قراره تمويل المحكمة الدولية، الأمر الذي جذب اليه انتباه الغرب. فقد نجح ميقاتي في البناء على هذا القرار، من خلال شعارين ضمّنهما خطابه السياسي مع الغرب: أولهما تأكيده انه ليس رئيس حكومة حزب الله، بل هو رئيس لحكومة يتمثل فيها حزب الله بقوة. وخلال محادثاته الخارجية، ركز ميقاتي على فارق اساس، بينه كرئيس الحكومة، وبين حكومته. وقدم نفسه، في هذا الاطار، على انه «فيتو» داخل الحكومة لضمان التزام لبنان بالقرارات الدولية الخاصة بالمحكمة، وتنفيذ موجبات القرار 1701. الشعار الثاني الذي استحوذ على اعجاب الغرب ايضا، هو النأي بالنفس عن الاحداث السورية.

لم يمسّ ميقاتي، خلال رئاسته المستمرة للحكومة، برموز تيار المستقبل الأساسيين، في مراكز حساسة داخل ادارة الدولة اللبنانية (أبرز الامثلة القاضي سعيد ميرزا واللواء وسام الحسن، وآخرون)، وفيما فهم الحريري تصرفه هذا خوفاً من نفوذه في الشارع السني، فإن ميقاتي، كان له قصد آخر أبعد أثراً، وهو اشعار الغرب، بأنه حتى لو كان قد ركب موجة «انقلاب حزب الله» للوصول الى الحكم، إلا انه يسخّر موقعه كرئيس للحكومة الحالية، لمنع تسرب «انقلاب حزب الله» على الحريري، الى داخل مؤسسات الدولة.

وفي الأساس، فإن هذا السلوك لميقاتي كان ذكاءً منه في إجابة عن سؤال حمله مقربون من واشنطن الى بيروت بعد «انقلاب 8 اذار» على حكومة الحريري. آنذاك قال هؤلاء إن واشنطن تشعر بأنها «قد تصبح عمياء في لبنان»، بسبب إمكان أن يستتبع الانقلاب خروج كل رموز 14 اذار من مواقع الدولة كافة. وبعد اول زيارة لجيفري فليتمان الى لبنان، إثر قرار تمويل المحكمة الدولية، شعر الحاذقون في 14 اذار، بأن ميقاتي نجح في جذب انتباه الغرب اليه. وطرحوا على فيلتمان مطلبهم بضرورة استعادة الحكم، فرد بانه «فيما لو عدتم، فما هو الجديد الذي ستقدمونه إلى الواقع السياسي اكثر مما يفعله ميقاتي؟». اضاف: «المطلوب تشجيع ميقاتي على اتخاذ المزيد من القرارات داخل الحكومة، التي تظهر افتراقه عن حزب الله في التزامه بموجبات القرارات الدولية».

وثمة رأي في الغرب، له انصار في باريس وواشنطن، يقول إنه «مع ميقاتي، يمكن ممارسة سياسة احتواء مزدوج، مصغرة، وغير مباشرة، مع حزب الله».


Script executed in 0.20495700836182