أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حاصبيا: مازوت التدفئة قبل دواء الأطفال

السبت 01 كانون الأول , 2012 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,456 زائر

حاصبيا: مازوت التدفئة قبل دواء الأطفال

 تجهد العجوز الستينية أم محمد قصب صيفاً لتخفف عنها قسوة البرد شتاءً. 

تتماثل أم محمد مع النملة العاملة التي لا تهدأ طيلة الصيف. تجول عند بزوغ الفجر في حقول بلدتها كفرشوبا وأحراجها. تجمع ما تيسر من أغصان وأخشاب مرمية. عدّتها ساعداها القويان ولفة ثياب عتيقة، تضعها فوق رأسها لتحميه من ثقل كومة الحطب خلال رحلتها اليومية المستمرة منذ أكثر من عشرة أعوام. تتكبّد أم محمد هذا العناء كلّه، لتؤمن كفايتها من حطب التدفئة، في ظل ارتفاع سعري المازوت والحطب. 

تنطبق حالة أم محمد على نسبة كبيرة من سكان منطقة حاصبيا الذين يجهدون مع بداية الخريف، لتأمين حطب الشتاء، كلّ على طريقته ووفق إمكاناته. فالبعض يجمع الحطب المتوافر من تشحيل كروم الزيتون، والبعض الآخر يقصد الأحراج في ساعات الفجر الأولى فيغنم بالتراكم أطناناً من حطب الملول والسنديان، وآخرون يقطعون أشجار الصنوبر والزيتون من بساتينهم، أو من أحراج أميرية تحت ذريعة تشحيلها. وبين الأهالي من يعتمدون على الحطب المصنّع من جفت الزيتون، أو يشترون الحطب الطبيعي أو المازوت، علماً بأنّ زيت محركات السيارات أصبح مادة للتدفئة يستخدم في مدافئ خاصة باتت تستعمل بكثرة في ورش البناء والمعامل الصناعية. 

«ليت الطقس لم يتبدل، ويستمر الصيف بلهيبه، لنتجنب همّ شراء وقود التدفئة الذي بات مشكلة المشاكل»، هذا ما يقوله أبو يحيى اللقيس، العاجز عن تأمين مونة التدفئة من مازوت أو حطب في ظل ارتفاع اسعارهما. ويشارك رائف الحاج جاره أبو يحيى الرأي نفسه، ويقول: «حقاً، قوت الشتاء مشكلة ضاغطة وإلزامية، لا يمكننا تأجيلها أبداً. يمكننا تأجيل شراء وصفة دواء لطفلنا، لكن من المستحيل البقاء من دون مازوت في الشتاء لساعة واحدة». 

وتساوي ربة العائلة سميرة حسين، في فترات الصقيع، الحاجة إلى المازوت بالحاجة الى الخبز والمياه، وتسأل: لمصلحة من رفع الدعم عن المازوت؟

ويشير تاجر الصوبيات كمال أبو غيدا إلى أن «نسبة الإقبال على شراء صوبيات الحطب ارتفعت نحو 60 في المئة عن نسبة الاقبال على صوبيات المازوت». ويعود السبب برأيه إلى «ارتفاع اسعار المازوت، ورفع الدعم عنه، في وقت يبقى تأمين الحطب في القرى الجبلية أقلّ كلفة». 

ويلفت أصحاب معاصر الزيتون إلى «إقبال غير مسبوق على جفت الزيتون. فهذه المادة باتت مطلوبة أكثر من الزيت، وبلغ سعر الكيس سعة عشرة كيلوغرامات منها عشرة آلاف ليرة، بينما كان سعره في العام الماضي ألفي ليرة». 

تجدر الإشارة إلى أن تجارة الحطب ازدهرت في منطقة العرقوب أخيراً، إذ يعمل تجار الحطب على جمع الحطب خلال الصيف لبيعها على أبواب الخريف، إذ يبلغ سعر الطنّ الواحد من الحطب مليوني ليرة. 

ويقول أبو محمد علي عون: «صحيح أن سعر الحطب يدنو من سعر المازوت، لكنّنا نؤمّن الحطب من بساتيننا، وإذا عجزنا عن تأمين كمية كافية، نلجأ إلى جفت الزيتون». 

أمّا حسين حميد فيستعمل منذ نحو عشرة أعوام الحطب المصنّع، الذي يباع بأقّل ممّا يباع الحطب والمازوت، إذ يبلغ سعر الطن الواحد منه نحو مئتين وخمسين ألف ليرة. 

ويقول: «الحطب المصنّع مدروس للاستعمال المنزلي، إذ يقطّع قطعاً صغيرة تزن الواحدة منها نحو كيلوغراماً واحداً، بطول نحو 20 سنتيمتراً، وقطر نحو عشرة سنتيمترات، ثمّ يتم تغليفها بورق صلب، لتجمع بعدها في أكياس صغيرة سعة الواحد منها 25 قطعة». 

ويقول محمود نوير، صاحب أحد معاصر الزيتون، وأوّل من صنّع حطب الجفت إنّه «يستمر اشتعال قطعة الجفت نحو ساعة، مع حرارة مضاعفة عن حرارة الحطب الطبيعي». يضيف: «بإمكان رب العائلة توفير نحو 40 في المئة من ميزانية التدفئة شتاء». 

ويشير العديد من أصحاب محطات الوقود إلى أنّ نسبة بيع مازوت التدفئة انخفضت هذا العام إلى ما دون الـخمسين في المئة، ويقول: «المواطن الحاصباني الذي كان يشتري ألفي لتر مازوتا خلال شهر أيلول، يشتري اليوم كمية لا تتجاوز عشرة ليترات، وهي تكفيه ليوم أو يومين». 

وكانت وزارة الزراعة تداركت، ولو متأخرة، الهجمة على الأحراج، وعملت على ايقاف هذه الظاهرة، وأبلغت الأهالي عبر المسؤولين المحليين قرارها منع قطع الأشجار حتى الخاصة منها إلا بإذن منها، وقد لقي هذا القرار تأييداً من بلديات عدّة كانت تشكو من عدم قدرتها على منع الناس من القطع العشوائي للثروة الحرجية. أمّا اليوم فتشددت البلديات في مراقبتها الأحراج، ونجحـت في لجم هجمة الحطابين، وإن نسبياً.


Script executed in 0.17692804336548