أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«فــرع المعلومــات» بعــد اغتيــال الحســن

الخميس 06 كانون الأول , 2012 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 12,202 زائر

«فــرع المعلومــات» بعــد اغتيــال الحســن

يهزأ ضابط مخضرم في «فرع المعلومات» من عبارة الضابط، قائلاً: «صيتٌ جميل». لكن، سواء كان ذلك صيتاً أو حقيقة، فثمة سحابة ضبابية تلاحق الفرع منذ العام 2005، ملوّنة ضباطه بشتى الألوان السياسية المحلية والأجنبية.

التشكيك في أداء الفرع لا يكمن عند الأجهزة الأمنية المنافسة فحسب، بل إن جمهور 8 آذار مقتنع بأن «فرع المعلومات» جهاز أمني وُلد لعائلة الحريري ويستكمل مشروعه لخدمة فريق 14 آذار. وكما للضباط المنتمين إلى أجهزة أمنية منافسة «أدلّة» على أن الفرع فريق أمني سياسي، تجاوز الاطار المحلي الى الاقليمي والدولي.

وقد تأثر الفرع أخيراً بتوقيف ميشال سماحة، وترددت معلومات أمنية ـ سياسية عن تورط الحسن في الصراع السوري بين النظام و«الجيش السوري الحر».

والسؤال الأساس عند ضباط الفرع حالياً، بعد اغتيال الحسن، يدور حول فرضية: «إذا تم اغتيال الحسن لأسباب تتعلق بالوضع في سوريا، فإن الشعبة بمنأى عن الخطر لأنه لا يوجد دليل واحد على تورط أحد من الضباط، أما إذا كان الهدف من الاغتيال هو تصفية الشعبة شيئاًَ فشيئاً، فإن الضباط جميعاً في خطر».

مع ذلك، يقول المعنيون في الفرع، ان المنظومة الأمنية التي أرساها الحسن مستمرة حتى بعد اغتياله، لأنها لم تكن مرتبطة بشخص، بل بمؤسسة. اليوم، بعد مرور أكثر من أربعين يوماً على اغتيال الحسن، ثمة أسئلة عن مصير فرع المعلومات، بعد تولي العقيد عماد عثمان رئاسة الفرع. 

هنا محاولة للإجابة عن بعض علامات الاستفهام، التي يجيب عنها كبار ضباط الفرع.

في فرع المعلومات 2300 فرد بين ضابط ورتيب. الجهاز الذي أسسه المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، بدأ مرحلة البناء من العام 1993 حتى العام 1997، وكان «أشبه بنواة، وليس فرعاً أمنياً»، وفق مرجع أمني واكب الفرع منذ تأسيسه.

في العام 2005، كان الفرع يضمّ 7 ضباط و120 عنصراً، جميعهم من طائفة واحدة، إلى أن تولّى الحسن رئاسته، وعمل مع ريفي على إعادة هيكلة الفرع بعيداً من الحسابات الطائفية. 

تشير أسماء ضباط الفرع حالياً إلى تنوع طائفي، فضلاً عن أن الرجل الأول حالياً بعد عثمان، وفق المرجع الأمني، هو «العقيد سعيد فواز (من الطائفة الشيعية)، الذي يُعتبر مساعد رئيس الفرع حالياً، وكان الحسن يكنّ له ثقة مطلقة». 

ويقول المرجع الأمني ان قوى الأمن الداخلي، وليس فرع المعلومات فحسب، كان غير مرحب به عند المسيحيين، إلى «حين انسحاب الجيش السوري من لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. إذ كان يتقدم إلى دورات التطوع السابقة نحو ألف مسلم، ومئة مسيحي كحد أقصى. لكن بعد الانسحاب السوري، تقدّم أربعة آلاف مسيحي في العام 2006!»، وفق المرجع الأمني.

ذات يوم، سأل البطريرك نصر الله صفير، ريفي: «هل الدوافع التي تحمل المسيحيين على التطوّع في قوى الأمن الداخلي اقتصادية؟»، فأجابه: «مرّت البلاد سابقاً بأزمات اقتصادية عدة، ولم نشهد خلالها إقبالاً مماثلاً. الأسباب اليوم وطنية».

وللمرة الأولى في تاريخ المؤسسة، وفق المرجع الأمني، يوجد 40 في المئة مسيحيين و60 في المئة مسلمين، وتقضي خطة ريفي بإيجاد توازن من خلال المناصفة.

وإذا كان الإقبال المسيحي على قوى الأمن الداخلي قد جاء تلقائياً، إلا أن التنوّع الطائفي في فرع المعلومات كان متعمداً، لكن مع مراعاة الكفاءة المهنية. مع ذلك، يبقى الفرع، دوماً، متهماً بأنه جهاز تابع لمذهب واحد، وينفذ أجندات سياسية لجهات محلية وخارجية.

مردّ الاتهامات، وفق ضباط الفرع، يعود إلى أسباب عدة، أبرزها: أن اسم الفرع قد لمع مع تولّي الحسن رئاسته، أي أنه انطلق مع الرجل الأقوى عند عائلة الحريري، وسط ظروف سياسية حادّة. الاتهام السياسي للسوريين باغتيال الرئيس رفيق الحريري زاد أيضاً من الشبهات في شأن أداء الفرع، ثم جاء توقيف الفرع الضباط الأربعة.

في المقابل، يقول ضابط آخر ان الفرع لم يقم بتوقيف الضباط الأربعة، بل صدر القرار عن لجنة التحقيق الدولية، وكانت مهمة الفرع المؤازرة فحسب. ويتّفق الضباط على أن الاتهام الأخطر في حقهم، والذي وضعهم في خانة «العدوّ» لفئة واسعة من اللبنانيين، جاء على لسان مسؤول في حزب سياسي بارز، بعد حرب تموز 2006 مباشرة، عندما قال ان أحد الأجهزة الأمنية كان يرصد المقاومة في الحرب.

لكن أحد الضباط يقول ان الحسن ورده اتصال هاتفي في بداية حرب تموز، وكان يتحدث مع المتصل بصوت عال وهو يقول: «يا ريتك ما حكيت!». كان المتصل سعد الحريري، وكان الحسن يعاتبه غاضباً على موقفه من عملية خطف الجنديين الإسرائيليين التي نفذها حزب الله، وتصريحه الشهير عن «المغامرة».

لا يجد ضباط الفرع أنفسهم في موقع الدفاع والتبرير، إذ يقول أحدهم: «المقاومة تدرك جيداً ماذا فعل الحسن معهم في حرب تموز. ثم كيف نزوّد العدو الإسرائيلي بمعلومات عن المقاومة من جهة، ونجهز على أهم عملائه في الداخل من جهة ثانية؟».

 

عقلية استراتيجية

 

يتفق كبار ضباط الفرع على أن الحسن أسس ذهنية استراتيجية في الفرع، لا تعتمد على شخص واحد، بل على فريق عمل. وعندما كان يسافر الحسن، كان يستمر عمل الفرع بالوتيرة ذاتها، مولداً النوعية ذاتها من العمل، الذي كان يشرف عليه الحسن.

قبل تولي الحسن رئاسة الفرع، يقول الضباط المعنيون، كانت مهمة الفرع محصورة بقضايا صغيرة ومجالات محددة. لكن بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تزايدت وتيرة الجرائم والاغتيالات الأمنية، بالإضافة إلى انتشار شبكات التجسس الإسرائيلية والمنظمات الأصولية.

وبعد تولي الحسن زمام المسؤولية في العام 2006، صرف الرجل وقته على تأهيل الضباط من خلال إرسالهم إلى دورات تدريبية في الخارج، وراكم هؤلاء الخبرات عبر توليهم التحقيق وملاحقة منفذي الجرائم، سواء كانت عمليات خطف أو قتل وغيرهما.

وعلى الرغم من أن الحسن كرّس عقلية مؤسساتية تعتمد على الاستراتيجية، وبالتالي لم يشعر ضباط الفرع بنقص لجهة الأداء اليومي، إلا أن فقدانه بالنسبة إليهم شكّل صدمة معنوية في البداية، ثم ان بعضهم يعتبر أن الفرع خسر علاقات الحسن الداخلية والدولية، التي كانت تعود عليهم بالنفع من خلال دورات التدريب العالية.

تقسم مهمات فرع المعلومات على الفروع التالية: أمن عسكري، أمن قومي، التحقيق (يضم 14 محققاً)، الخدمة والعمليات، الحماية والتدخل، الرصد والتعقب، الفرع الفني. وثمة فروع مركزية مقسمة على المحافظات.

عندما يُسأل ضباط بعض الأجهزة الأمنية عن «سرّ تفوّق» «فرع المعلومات» في التحقيق ببعض الجرائم الجنائية، وسرعة كشفه ملابساتها، يردّون بأن الفرع يملك أجهزة متطوّرة لا تملكها بقية الأجهزة الأمنية، بينما يقول المرجع الأمني: «ليس لدينا برغي واحد زيادة عنهم، وهم يعرفون ذلك تماماً».

ويقول أحد الضباط ان «فرع المعلومات» لديه البرامج الأساسية ذاتها التي تستخدمها الأجهزة الأمنية: «i2»، وهو برنامج يُعنى بتحليل المعلومات الواردة عن السيارات والاتصالات والأحوال الشخصية. «locater» الذي يرصد مكان الشخص من خلال هاتفه الخلوي. التنصت على خطوط الهواتف الأرضية.

وللفرع ميزانية تبلغ نحو ثلث موازنة قوى الأمن الداخلي (وتبلغ في بعض الأحيان الثلثين)، التي تبلغ شهرياً نحو 883 مليون ليرة. وثمة علامات استفهام يطرحها المرجع الأمني، عن سبب رفع الحكومة للمخصصات السرّية للأجهزة الأمنية، بنسب تخطت 600 في المئة لأحد الأجهزة، بينما تم استثناء قوى الأمن الداخلي من أي زيادة.

تتقاطع أجوبة الضباط عن أن الحسن كرّس روحاً جماعية بين فروع الجهاز كافة، وحررها من المروحة البيروقراطية السائدة عند غالبية الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة.

 

هزلية «الموساد» 

 

يسأل أحد ضباط «فرع المعلومات»: «متى استهدفنا طائفة معينة؟»، معززاً سؤاله بتوقيف الفرع للشيخ محمد ح. في العام الماضي، بتهمة التعامل مع العدو الإسرائيلي، بالإضافة إلى مجموعة الـ13 التابعة لـ«القاعدة»: «أفراد القاعدة ألا ينتمون إلى الطائفة السنّية؟».

الشيخ محمد ح.، وفق الضابط، كان محسوباً على فريق 14 آذار، ويستمد تمويله من السعودية. اشتبه الفرع بالشيخ من خلال تلقيه اتصالات هاتفية من أرقام خلوية تابعة لـ«الموساد» الإسرائيلي. لكن الفرع لم يكن يملك معلومات عن الشيخ سوى أنه يتلقى اتصالات مشبوهة من دون معرفة فحواها.

لذلك، سلّم الفرع ملف الشيخ إلى أحد الأحزاب المحلية، بغية تعزيزه استعلامياً للحصول على أدلة إضافية. لكن الحزب، وفق الضابط، سلّم الملف إلى جهاز أمني رسمي آخر، ولم يعترف الشيخ بجرم تعامله، وتم صدور حكم قضى بسجنه خمس سنوات فقط. 

يقول الضابط: «لو أننا فعلاً محسوبون على 14 آذار، فلماذا أوقفنا هذا الشيخ، الذي كانت تربطه علاقات متينة بشخصيات عدة في 14 آذار؟».

لا تتوقف اتهامات الفرع عند شبكات «الموساد»، التي يخفف البعض من أهميتها إلى حد اعتبار أن الفرع تزوّد بأسماء العملاء من «الموساد»، إذ يرى بعض الضباط في الأجهزة الأمنية الأخرى أن توقيف الفرع ميشال سماحة اندرج في سياق مؤامرة مدبّرة.

تقول الرواية الشهيرة ان المخبر ميلاد كفوري قام باستدراج سماحة إلى الاجتماعات التي عقدت بينهما، وهو من أخبر سماحة عن مخطط التفجير، بناء على طلب من الحسن. لكن ضباط «فرع المعلومات» يعلّقون على الأمر بسؤال: «لماذا إذاً سأل كفوري سماحة، ثلاث مرّات، عن سبب اختيارهم له؟ إذ كان يجيبه سماحة: الثقة، الثقة».

من بعيد، تبدو، لوهلة، فرضية أن يكون الفرع قد أوقف عملاء «الموساد» بناء لنيّات خبيثة، قابلة للتفكير. لكن التوغل في تفاصيل قصة توقيف العملاء توضح الصورة على نحو مغاير.

م. ص.، اسم ضابط كان مهمّشاً في الفرع، إلى أن طلب مسؤوله من الحسن أن يُمنح بعض الوقت والصلاحيات، فسأل الحسن: ماذا يريد؟ وكان الجواب: «الشاب وضع في رأسه شبكات الموساد».

لم يكن الفرع قد أوقف أي عميل إسرائيلي بعد، بينما كان الرائد الراحل وسام عيد قد كشف «شبكة مروحين» الشهيرة، التي اجتمعت فيها خطوط خلوية مشبوهة، تبيّن لاحقاً أنها تســتخدم في عمليات التجـنيد الإسرائيلي.

تمكن م. ص. من كشف شبكة أديب العلم وزوجته، الشبكة الوحيدة من بين العملاء الـ38، وذلك من خلال «المفتاح» الأساس: الأرقام الأجنبية الأمنية.

يعتبر ضباط الفرع أن الشبكة الهاتفية الأمنية التي اكتشفها عيد، كانت بمثابة المفتاح الذي أدى إلى توقيف العملاء كافة، عند «فرع المعلومات» وسائر الأجهزة الأمنية. «كان ثمة باب واحد، وتحمل بيدك مئات المفاتيح، ويتعين عليك تجربتها كلها»، يقول الضابط.

والمفتاح كان بمثابة الأسلوب، أي الطريقة التي تم اعتمادها في كشف العملاء: تبيّن وجود أرقام رومانية وبريطانية وفرنسية وغيرها، تتصل بمئات الأشخاص. وتجنباً لتكبّد أوقات كثيرة من دون طائل، عبر استدعاء كل من ورده اتصال مماثل بعد كشف شبكة العلم، اعتُمد معيار موحد.

قضى المعيار أن يتم استدعاء كل شخص ورده اتصال من الأرقام المشبوهة، شرط أن تكون مدة المكالمة قد تخطّت الدقيقة. وكان المتصلون بالأرقام اللبنانية يعرّفون عن أنفسهم بأنهم من «جمعية سلام إسرائيلية».

المكالمة التي تقل عن 30 ثانية، تُفسّر على أن المتصل به رفض التعاون مع الجمعية، بينما تبعث المكالمات الأخرى على الشك. وكان المشغلون، بعد الاتفاق على التجنيد، يطلبون من العميل شراء خط خلوي وجهاز خاص للتواصل معهم، ثم يرسل رسالة نصية إلى الرقم الأجنبي، ويصبح صاحب الجهاز يحمل رقماً أمنياً.

يدلّ الأسلوب الإسرائيلي، وفق الضباط، على استهتار فاضح من جانب «الموساد»، بحق الأجهزة الأمنية اللبنانية، إذ إنه أسلوب هزيل في عالم التجسس. 

وكانت تقضي الخطوة الثانية في التواصل مع العميل، والاتفاق على الالتقاء بغية التعارف وبدء العمل بعد التدريب. وكان يتم نقل العميل من البلد الذي التقى فيه بمشغليه، مثل رومانيا على سبيل المثال، إلى فلسطين المحتلة، من دون الحصول على تأشيرة دخول.

عندما يُسأل بعض الضباط في الفرع عن أخطر عميل أوقفوه، يقولون: ناصر نادر. ونادر اعترف بمشاركته في اغتيال القيادي في «حزب الله» غالب عوالي، إذ قضت مهمته بنقل الإسرائيليين من بحر خلدة إلى الضاحية، ثم أخبرهم بلحظة نزوله من المنزل إلى سيارته. ويعرب أحد الضباط في الفرع عن استغرابه من لغز لم يستطع فهم أسبابه بعد: «لماذا لم يُحاكم نادر حتى الآن؟».


Script executed in 0.19465398788452