أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لـم أبـكِ أمــي

الخميس 09 أيار , 2013 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,912 زائر

لـم أبـكِ أمــي

تسنّى لي وقتها، وقبل سقوط القذيفتين بدقائق، أن أهرب من مدرستي خلال فرصة الدراسة، وأصعد درج المنزل، لأجد شقيقتي المؤمنة ليلى (18 ربيعاً)، تقف أمام باب المنزل، ومن هناك شاهدت أمي لآخر مرّة، مشغولة كالعادة بغسل الثياب. تحدثت قليلاً إلى شقيقتي، وعدت أدراجي باتجاه المدرسة. دقيقة واحدة، على الأكثر، وسمعت دويّ انفجار كبير، نظرت خلفي فإذا بدخان رمادي يتصاعد من جوانب المنزل. لم أفكّر كثيراً وقرّرت العودة إلى المنزل. عند أوّل الدرج، شاهدت إحدى شقيقاتي تصرخ والدماء تسيل من وجهها، لم أسألها عما حدث لها، أكملت الصعود، هناك في وسط الدرج، شاهدت أمي، ممددة بجسدها، وكأنها أخفت وجهها بيديها، لا تريد لنا مشاهدتها، لكن الدماء التي في ظهرها لم تخف الفاجعة. صرخت أناديها، فلم تجب. أكملت طريقي الى الأعلى، لكن شيئاً آخر أمرني بالعودة، أشلاء ودماء جديدة، كانت هناك، في المكان نفسه الذي وقفت فيه لآخر مرّة مع شقيقتي الشهيدة، قبل رحيلها.

لا شيء آخر حينها، أردت أن أسمعه أو أراه. تركت المنزل وخرجت الى الشارع، أصرخ يميناً وشمالاً، جلت كثيراً في أنحاء الحيّ القريب. لا أتذكر الكثير من التفاصيل، سوى أنني وجدت نفسي أمشي في جنازة أمي وأختي، أحدهم يجرني، وآخر يمسح على رأسي، وثالث يبكي شفقة عليّ. وأنا أفكّر بأشياء أخرى، أكبر من عمري (13 سنة) بكثير. فكّرت بشقيقي وشقيقتي الصغيرين، كانا في بداية طفولتهما، وفكّرت بشقيقي الأكبر. تساءلت ماذا علينا أن نفعل لننتقم من عدوّ لطالما كانت أمي حريصة على أن تحمينا منه. ومن جرائم سابقة ارتكبها مع عملاء له في بلدتنا الصغيرة.

لم تسعفني الأيام لأفعل شيئاً، لكنني أتذكر حجم سعادتي بعد 22 عاماً، في الثالث والعشرين من الشهر عينه، عندما قرّرت المقاومة أن تسير بنا باتجاه بلدة حولا المحتلّة. يومها مشيت الطريق، التي لم أستطع أن أعبرها طيلة حياتي، أثناء الاحتلال. تذكرت كيف كانت أمي تمشي وحيدة باتجاه القرى المحتلّة، للوصول الى معتقل الخيام وملاقاة شقيقيها السجينين. تغيب لأيام، وتعود لتروي لنا قصّة عنف الجلاّدين، ومرارة المشوار، ثم تبكي وتمسح دموعها بيديها.

في 23 أيار 2000 سرت على تلك الطريق وبكيت لأول مرّة منذ فقدت أمي وشقيقتي. لم أكن أبكيهما، بل أبكي شهيداً صديقاً أعرف أنه سقط هناك، بعد ساعات من لقائي به. وأنا اليوم أنتظر دموعي التي لم تسقط من جديد أزداد يقيناً بأن سلاحاً أعاد اليّ اعتباري وكرامتي لا يحسّه أولئك الذين أعماهم المال وحرموا من شرف الكرامة والنبل والوجدان.


Script executed in 0.16539406776428