أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

قرانا وقد تحوّلت مآوي للعجزة

الأربعاء 09 تشرين الأول , 2013 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,888 زائر

قرانا وقد تحوّلت مآوي للعجزة

من دون أي تردّد، قالت سكينة إن عمرها تجاوز المائة عام. قالتها، وبدا أنها ندمت على هذه الإجابة السريعة. ربما كانت تريد أن تضيف المزيد إلى سنوات عمرها، لكي تعطي قيمة أكبر لما تخبرنا إياه عن همّتها ونشاطها.

سكينة كانت جالسة في غرفتها الترابية القديمة في بلدة حولا الجنوبية. الدخول إلى هذه الغرفة لا يختلف عن الدخول إلى مغارة في جبل. الإنارة معدومة، والعوائق التي يفترض تجاوزها لكي تصل إلى السيدة الجالسة في أقصى الغرفة لا تعدّ. تحيط بها أكياس من «الساندويشات» التي يرسلها إليها جيرانها لكي تأكل، وتصطفّ عدة صحون من الأليمنيوم قرب الباب، وضعت فيها بعض الطعام للقطط، في حين تتوزّع أكياس من الحشائش في مختلف أنحاء الغرفة. هذه الحشائش هي «زهورات» بحسب سكينة، وهي التي تشكّل مصدر رزقها. تخرج يومياً لقطافها، تنظّفها، ثم تبيعها لمن يرغب. وكما يفعل الباعة المتمرّسون، تؤكد سكينة على جودة ما تبيعه، وتغضب في حال طرح عليها سؤال تشكيكي عن جودتها مثلاً، فلا تتردّد في استعادة الكيس من يد الشاري فيما ترتسم ملامح الغضب على وجهها المليء بالتجاعيد.

تقيم هذه السيدة وحدها في غرفتها القديمة. أولادها متزوّجون، ويقيمون في مناطق بعيدة عنها. وهم غير قادرين على إعالة أنفسهم فكيف سيعيلونها، تقول مبرّرة لهم. بل تذهب بعيداً في تشريح وضع كلّ منهم الاقتصادي، لتؤكد عدم قدرتهم على مساعدتها.

يصعب على أي شخص يلتقي سكينة، ويطلع على حياتها، أن ينساها بمجرد أن يقفل عائداً إلى بيته. لكن الأصعب هو معرفة أن سكينة ليست حالة فردية. تسأل عنها في حولا، فيدلونّك إلى أكثر من سيدة مسنّة تعيش في ظروف مماثلة. غير بعيد عن منزل سكينة، كنبة وضعت على جانب الطريق. تجلس عليها سيدة مسنّة أخرى، تنتظر الكهرباء لكتي تشغّل مولّد المياه. تبتسم لسائقي السيارات المارّة. تلوّح بيديها حيناً، وتدعوهم إلى مجالستها حيناً آخر. تتنقّل في القرى، وتسأل عرضاً عن مسنّين يعيشون وحدهم، فتتعدّد الأسماء والقصص. هنا أسعد الذي يعيش كلّ أولاده في ألمانيا، وهناك ليلى التي رفضت عرض ابنها الإقامة معه في منزله في بيروت، وهذه فاطمة التي لم تتزوّج وتعيش منذ سنوات على الهبات التي يقدّمها لها أهالي القرية.

هكذا تكتشف أن حالة سكينة ليست استثنائية في القرى النائية، التي تحوّلت على مرّ السنوات إلى مآو للعجزة. بل قد يكون حالها أفضل من كثيرين ممن هم في سنّها، أقعدهم المرض أو الشيخوخة في منازلهم. فباتوا مع غياب أولادهم أو أقاربهم، ينتظرون مروءة أهالي القرية. عسى تتذكرهم سيدة هنا فترسل لهم الطعام، أو رجل هناك فيذهب في إثر طبيب...

تتفافم هذه الحالة مع حلول فصل الخريف. إذ يعود المصطافون إلى المدينة وضواحيها، حيث تتركّز أعمالهم. ويبقى أهاليهم في القرى، وحيدين ينتظرون زيارة أسبوعية أو شهرية. في حين لا يرى أهالي المغتربين أبناءهم إلا مرة في السنة في أحسن الاحوال. فيمضون أيامهم في انتظار اتصال هاتفي، لا يخبر شيئاً عن واقع الحال بقدر ما يحمل عبارات المجاملة والاطمئنان والتوصيات.

«يوصيني ابني بعدم نسيان الدواء، ماذا أجيبه؟ تعبت من تذكيره بأني لم أره منذ أربع سنوات، وأن رؤيته تشفيني» تقول رباب وهي تنظر في الهاتف الخلوي الذي تلّقته هدية من ابنتها هذا الصيف. كانت تبحث فيه عن زرّ إنهاء المخابرة، تحرّك أصبعها أفقياً على شاشته ما يعني إقفاله، وتتابع حديثها: «أما ابنتي، ما في أكرم منها بالهدايا. قالت لي هذا تلفون ذكي، ما عم بعرف شغلو. بطنطن كلّ النهار وما بعرف ليه». أخبرتها ابنتها أنها تستطيع من خلال هذا الهاتف أن تحدّثها وتراها لكنها لم تنجح في تعلّم طريقة التشغيل «بتظبط مرة، وبرجع بنسى كيف. بدّن ياني عيش مع تلفون وخادمة أنا اللي تعبت كلّ عمري حتى كبرهنّ وشوفهم حدّي. بكرا التلفون بخبرهن إني متت؟».

لا تخلو نبرة رباب، وهي تقول هذه الكلمات، من الأسى. لذا تستدرك سريعاً في تقديم المبرّرات لولديها. الابنة متزوجة ولديها عائلة وأحفاد، والابن مسافر ولا يستطيع المجيء مع زوجته الاجنبية وأولاده بشكل دائم. أما الزوج فقد توفي منذ سنوات «وأنا ناطرة ت إلحقو».

هذه المرة لا يبدو أن رباب تستعطف أحداً في كلامها. تبدو واثقة أنها، في السبعين من عمرها، لم تعد تملك إلا أن تنتظر الموت. وهي تنتظره منذ اكثر من عشر سنوات، لم تفعل شيئاً خلالها إلا انتظار زيارة أو اتصال هاتفي.


Script executed in 0.17460989952087