أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

التدفئة في مرجعيون: نقلة الحطب بمليون ليرة

الثلاثاء 17 كانون الأول , 2013 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 7,603 زائر

التدفئة في مرجعيون: نقلة الحطب بمليون ليرة

لكن ذلك، لم يمنع صبية ووالدهم من الخروج نحو كومة الحطب المبللة بالمطر، من أجل تكسير ما يلزم لمؤونة الصوبيا، لتدفئة العائلة التي تتشابه معاناتها في مواجهة المطر والصقيع مع معاناة عشرات العائلات السورية المنتشرة في سهل مرجعيون، ومحلة مرج الخوخ بين بلاط وإبل السقي. 

«جمعنا هذا الحطب من بساتين الزيتون القريبة من الخيام، وهو عبارة عن أغصان صغيرة تركها أصحاب البساتين خلفهم بعدما احتفظوا بالأغصان الكبيرة لمواقدهم»، يقول اسماعيل شبلي الذي يخرج وعائلته مرة أو مرتين في الأسبوع «لجمع ما تيسر من الحطب، ربما لجمع شوال أو شوالين. لا خيار أمامنا غير ذلك لنؤمن الدفء في خيم واهية معلقة في الهواء». 

اشترى شبلي الصوبيا بخمسين دولاراً، «ولم اشترها على المازوت إذ بالكاد أحصّل ثمن الخبز، فمن أين لي بثمن المازوت؟». يقول: «لا ننام الليل خشية أن تهبّ عاصفة وتطيح الخيمة ونغرق بالوحل». 

أمّنت إحدى الجمعيات مجموعة من الخيام للنازحين في مرج الخوخ، والذين يتجاوز عددهم الـ400 عائلة. ولمواجهة برد الشتاء، دفعت لهم الأمم المتحدة شيكات بقيمة 220 ألف ليرة لكل عائلة من أجل شراء صوبيا ومازوت، ووعدتهم بدفعة لاحقة تبلغ 160 ألفاً. «وفّرتُ بعضاً من المبلغ لأمور أخرى، واشتريت مدفأة على الحطب»، يقول حكمت الجلود، وهو رب أسرة من خمس بنات وثلاثة صبيان وجميعهم دون الخامسة عشرة. يضيف: «أما الحطب فمن ورشة صاحبَي العمل الياس وأسعد متى في كوكبا، اللذين ساعداني بمنحي الحطب وجفت الزيتون». 

يعتاد سكان الخيم القادمون من محافظة إدلب على برد الشتاء، «فنحن قريبون من الحدود والجبال التركية التي تعاني شتاء جراء برد قارس، لكن الجديد علينا هو سكن الخيم. ولولا ما نتلقاه من معونة لكان جرى علينا ما جرى على سكان البقاع وعرسال وغيرهم من أوضاع مزرية». 

كانت خيم مرج الخوخ لا تتعدى أصابع اليد بعد التحرير سنة 2000، وكان سكانها من المزارعين الذي أتوا إلى المنطقة من أجل العمل، لكن عدد القاطنين هناك اليوم يتجاوز الألف نسمة. «نحاول مواجهة برد الشتاء بأقل كلفة ممكنة، إذ إن معظمنا من دون عمل اليوم»، يقول سلطان الجلود، وهو رب أسرة من ستة أولاد، ومعهم جدهم وجدتهم.

الحطب قبل المازوت

اشترى طوني اللقيس 4 أمتار مكعبة من حطب زيتون بـ700 ألف ليرة، «لكنّها طلعت منحّسة» (وهي مشتقة من كلمة نحاس) أي أنها لا تشتعل وهي صلبة تشبه الحجر. ويشير اللقيس إلى أن أسعار الحطب تختلف باختلاف نوعيته وأحجامه، «فنقلة حطب السنديان بمليون ليرة ونقلة حطب الليمون والحامض بـ900 ألف، لذلك لجأ أصحاب الدخل المحدود إلى صوبيات المازوت. وهم يخلطون المازوت مناصفة بالزيت المحروق الذي تباع تنكته بنحو 10 آلاف ليرة». 

أما الزيت المحروق فهو زيت السيارات التالف الذي يجد أصحاب «الكراجات» صعوبة في التخلّص منه، ويلجأون إلى رميه في جور مخصصة في الحقول البور. 

ساهم انتشار الزيتون بمساحات واسعة في قرى مرجعيون وحاصبيا في توافر كميات كبيرة من حطب الزيتون، فضلاً عمّا يوفره اقتلاع الأشجار الكبيرة، واستبداله ببساتين جديدة أو انتشار الأبنية، كون شجرة الزيتون شجرة غير محمية في قوانين وزارة الزراعة اللبنانية. كذلك يضمّن أصحاب الكروم الكبيرة بساتينهم لتشحيلها، بعدما صارت نقلة الأغصان الصغيرة التي لا تزيد عن مترين ونصف المتر أو ثلاثة أمتار مكعبة بنحو نصف مليون ليرة. 

«هو سعر مرتفع مقارنة مع السنوات الماضية، بيد أنه يظل أرخص من تكلفة المازوت»، وفق المربّي منيف الحجّي من دير ميماس.

وبالرغم من حديثه المسهب عن الحطب، إلا أنّ الحجي ركّب هذا الشتاء مدفأة مازوت، خلافاً للسنوات الماضية، ويبرر ذلك بـ«أن موسم الزيتون هذا العام أتى شحيحاً، وبدل من أن ننتج 70 أو 80 تنكة زيت لم نعصر أكثر من 12 تنكة، لذلك لم نشحّل الزيتون وتركنا أغصانه تنمو أكثر آملين بموسم أفضل العام المقبل. يضاف إلى ذلك أن مادة الجّفت التي كنا نحصل عليها لم تكن كافية لخوض غمار التدفئة على الحطب». 

اشترى منيف الحجي برميلي مازوت كمرحلة أولى بـ580 ألف ليرة، «وربما أحتاج خلال الفصل إلى ثلاثة أخرى، يعني قدرت مصروفي للتدفئة هذا العام بنحو مليون ونصف مليون ليرة لبنانية، وهذا المبلغ قد يدفع سكان مرتفعات كفرشوبا وشبعا ضعفيه أو ثلاثة أضعافه نظراً للبرد القارس عندهم».

لا يكتفي مزارعو الزيتون بما ينتجه التشحيل من أغصان غليظة أو دقيقة لموسم التدفئة في الشتاء، بل ان بذور الزيتون المعروفة بالجفت أضحت المادة الأولى في التدفئة بعد تجفيفها في الخريف ووضعها في أكياس متواضعة يسهل نقلها بعد عزلها عن الأماكن الرطبة أو المعرضة للمياه. لذلك لا يترك أصحاب مواسم الزيتون بذورهم بعد العصر لدى المعاصر ويشترطون على المعصرة استرداده. «هناك معاصر في المنطقة تشترط على المزارعين عدم رد البذور، بعدما أنشأت معامل كبس، وصارت تبيع مادة الجفت بين 250 ألف ليرة و300 ألف للطن الواحد»، وفق اللقيس. 

يلفت حنا الحوراني من دير ميماس إلى أن «عائلات في المنطقة لا تستطيع شراء المازوت، وفي الوقت عينه لا تملك أشجاراً تمكن الاستفادة من تشحيلها، لذلك يلجأ أربابها مع أولادهم إلى جمع ما تيسر من هذا البستان أو ذاك الكرم». يضيف: «أنا من جهتي أقدم بعض المساعدات بسبب فيض التشحيل ومادة الجفت ولأن عائلتي متواضعة ولا يوجد أولاد صغار». 

يرى حوراني أن استخدام الحطب في التدفئة «أقل ضرراً صحياً من المازوت ويمنح دفئاً مميزاً ولا يترك رائحة. إنني أركز على استخدام بذور الزيتون، فهي تشتعل بسرعة فائقة عندما تكون جافة، ونظراً لاحتوائها على بقايا زيوت، وقد أُضيف إليها حطباً مبللاً بالماء فسرعان ما يجف ويشتعل، لذلك لا مشكلة في تخزين الحطب وتجميعه ولو في أرض مكشوفة تحت المطر، بل إن الحطبة الرطبة تشتعل لمدة أطول». 

رقابة وتشحيل

تخضع أحراج دير ميماس، وهي من السنديان والملّول لرقابة دقيقة ويمنع على المواطنين الدخول إليها بغية تشحيلها أو قص بعض غصونها حتى لو كانت من الأملاك الخاصة «وإلا فسيحرر ضبط بحقه وقد يتعرض للتوقيف»، يقول منيف الحجي. يضيف: «لو أن الأمور متروكة على غاربها لكانت دير ميماس ومنحدراتها أصبحتا أرضاً بوراً، تماماً كما حصل في عدد من البلدات المجاورة التي خسرت كثيراً من ثروتها الحرجية، بسبب اتجار الناس بالحطب». 

وتحت عنوان تشحيل بعض الأحراج في مناطق العرقوب وجبل الريحان، تفتك أسنان المناشير بأشجار السنديان المعمرة وبعض الأشجار الحرجية بغية الاتجار بخشبها، خصوصاً بعد كثرة استخدام الحطب في معظم البيوت الجبلية، «إذا إن ما يؤمنه الحطب من دفء لا يضاهيه مازوت حتى لو استخدمت أهم المدافئ»، يقول أحد تجار الحطب. ويشير إلى أنّ «حطبنا من التشحيل المدروس ولا نقترب من الأشجار الكبيرة». وعندما تسأله عن مصدر الحطب الكبير الذي تشتريه البيوت الميسورة، سرعان ما يجيب «إنها من أشجار يابسة، أو من أملاك خاصة». 

كامل جابر


Script executed in 0.169193983078