أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

في حضارتنا: آثار بعلبك تغزوها المجاري

الثلاثاء 11 آب , 2015 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,653 زائر

في حضارتنا: آثار بعلبك تغزوها المجاري

تعتز مدينة الشمس بعلبك بأعمدتها التي قاومت كل المخاطر المهددة بخرابها، من عوامل طبيعية و احتلالات و غزوات. فآثار بعلبك اجتازت كل الحضارات التي مرّت بالمنطقة، إلا أن أيٍّ من الحضارات لم يغرقها في المجاري كحضارتنا الحالية. 

فقد أدى تسرب في المجاري في محيط القلعة إلى انبعاث رائحة كريهة في المنطقة، و وسط إهمال المعنيين، تحوّل التسرب بعد ايام إلى مستنقع. و لا تزال رائحة المجاري تكلل معبد "فينوس" حتى يومنا هذا.

فهل تلقى أعمدة بعلبك أذناً تتقن الإصغاء و تنقذ كنز بعلبك التاريخي؟

بنت جبيل.اورغ 



كتب حسين طليس - سلاب نيوز 

قبل كتابة هذا المقال، تمت مراجعة كامل الأسطورة التي تتحدث عن إلهة الحب والجمال الرومانية "فينوس"، وجرى الاطلاع بدقة على كافة التفاصيل المحيطة بقصة هذه الإلهة، التي بلغ فيها الخيال حد القول أنّ الإلهة "فينوس" تكونت داخل محارة في البحر كما يتكون اللؤلؤ. إلا أنّ الخيال الروماني لم يصل بالأسطورة إلى الواقع الذي أوصلنا اليه الإهمال والتقصير اللبناني، فلم يرد في أية رواية أنّ "فينوس" قد تغرق يومًا ما داخل معبدها في  بحيرة من الـ"مجارير"!

احتلت مدينة بعلبك الواجهة الإعلامية والثقافية منذ مطلع الشهر الماضي، وذلك مع انطلاق مهرجاناتها الدولية بعد غياب قسري فرضته الأوضاع الأمنية التي شهدتها المدينة ومحيطها خلال السنوات الماضية، لتعود هذه السنة مع تحضيرات وإجراءات ضخمة تهدف إلى إنجاح المهرجان في الذكرى الـ60 لانطلاقه، فكان الإعداد اللوجستي الدقيق، والإجراءات الأمنية المشددة التي أعلن عنها، إضافة إلى التغطية الإعلامية والإعلانية الواسعة التي واكبت التحضيرات والانطلاق. لكن على ما يبدو، فإنّ كل تلك الإجراءات لم تأخذ بعين الإعتبار أنّ ما مضى خلال سنوات من إهمال وتقصير في البنية التحتية للمدينة، سوف يحرج الجميع في "الوقت بدل الضائع"، أي في خضم فترة المهرجانات، وفي قلب الحدث، فتفيض مياه الصرف الصحي داخل القلعة وتحديدًا في معبد "فينوس".

وبحسب ما تشرحه المصادر لـ"سلاب نيوز" فقد بدأت المشكلة منذ 7 أيام حيث بدأ التسرب طفيفًا، ثم ما لبث أن ازداد منسوب مياه الصرف الصحي في القلعة ليتحول معبد "فينوس" إلى مستنقع من "المجارير" في اليومين الماضيين، حيث بات الأمر لا يحتمل من حيث المشهد العام للقلعة الأثرية، إضافة إلى الرائحة المنبعثة في القلعة والأحياء المحيطة بها، ما ولّد نقمة شعبية بدت واضحة على ألسن الأهالي لا سيما القاطنين في محيط القلعة وأصحاب المحال المجاورة الذين توجهوا إلى البلدية وعبّروا عن نقمتهم على الوضع وخوفهم من أن تستمر هذه المشكلة أو أن تؤثر على ما أسموه "الموسم" المتمثل بفترة المهرجانات.

وتحيل المصادر المشكلة الحالية على أزمة الصرف الصحي التي تعاني منها المدينة منذ فترة، بعد أن جفّ نبع "رأس العين" الذي ينبع من شرق المدينة ويصب في "بحيرة رأس العين"، بسبب ازدياد السكن قرب النبع وحفر الآبار في محيطه ما أدى إلى جفافه، فيما استمرت عملية التخلص من مياه الصرف الصحي في مجاري النهر الذي تحول إلى "مجارير" فقط. وبحسب المصادر فإنّ ذلك تسبب في ضغط كبير على قنوات الصرف التي تمر إحداها أسفل مسجد "الصاغة" الأثري المحاذي لمعبد "فينوس"، وهو ما أدى الى هذا التسرب الذي وصل إلى القلعة وتسبب بالمشكلة.



إلا أن رئيس بلدية بعلبك، الدكتور حمد حسن، نفى في اتصال هاتفي مع "سلاب نيوز" أن تكون هذه المشكلة مرتبطة بأزمة الصرف الصحي الناتجة عن جفاف نبع رأس العين، مؤكداً أنها ناتجة عن تمديدات شبكة الصرف الصحي قديمة العهد، التي لم تعد تستوعب التزايد السكاني في المدينة لا سيما في محيط القلعة، وما ينتج عنه من إرتفاع في نسبة المياه المبتذلة، لا سيما بعد ازمة النزوح السوري التي أدت إلى ازدياد السكان في المدينة بشكل كبير لا تستوعبه البنى التحتية وخصوصاً شبكات الصرف الصحي في محيط القلعة.

وأضاف حسن أن المسؤولية في هذه المشكلة لا تقع على عاتق البلدية، فمجلس الإنماء والإعمار قد لزّم صيانة الصرف الصحي في المدينة لشركة "البنيان" للتعهدات، وعليه فإن المشكلة تقع على عاتق الشركة المتعهدة لوجستياً إضافة الى "المديرية العامة للآثار" التي تقع عليها المسؤولية الإدارية كونها المسؤول المباشر عن القلعة، ولم تبادر الى إتخاذ أي إجراء لمعالجة المشكلة. ومع ذلك فقد تدخلت البلدية بشكل مباشر لمعالجة الأمر، حيث تم الإتصال بالمتعهد وألزم بإرسال "مضخة" قامت بعد ظهر أمس بسحب مياه الصرف التي فاضت في معبد "فينوس"، قبل أن تتطور المشكلة وتتحول إلى أزمة، ليبقى عملية "الشطف" للتخلص من آثار الـ"مجارير" والترسبات التي تسببت بها.

أما الحديث عن تأثر "مهرجانات بعلبك" بهذه المشكلة كونها تطال القلعة التي تقام فيها المهرجانات، فقد رفض رئيس البلدية أن تعطى المشكلة حجماً أكبر من حجمها، معتبراً أن الأمر لا يتعدى كونه تسرب في شبكة الصرف الصحي ناتج عن خلل قد يحصل في أي مكان وأي زمان دون أن يسبب هذه البلبلة التي أثيرت حول الموضوع ولا يجوز ربطه بالمهرجانات، مؤكداً أن التحضيرات مستمرة لاستكمال الحفلات التي ستشهدها المدينة في الأيام المقبلة، والبلدية تعمل بأقصى طاقتها في الوقت الحالي من أجل تذليل أي عقبات قد تحول دون ذلك.

ولكن هل انتهت المشكلة عند هذا الحد؟ بلدية بعلبك تدخلت اليوم وقامت بمعالجة المشكلة، لكن أسبابها ما زالت قائمة. فإن كان السبب يكمن في مشكلة الصرف الصحي الناتجة عن جفاف نبع "رأس العين" كما قالت المصادر، أو في مشكلة شبكة الصرف الصحي القديمة التي لم تعد تحتمل ما ينتج من مياه مبتذلة بسبب ازدياد الكثافة السكانية الناتجة عن أزمة النزوح السوري كما قال رئيس البلدية، فإن أي من تلك الأسباب لم يحل بعد، فلا الشبكات تبدلت، ولا ازمة النزوح السوري والكثافة السكانية إنتهت، كذلك فإن مديرية الآثار لم تحرك ساكناً، في حين أن وزارة الثقافة ما زالت الغائب الأكبر عن المشهد، بعكس حضورها الفاعل في الجانب المقابل من القلعة حيث أضواء الحفلات والأشعار المنظومة بحجارة القلعة وأعمدتها. وما من جهة رسمية انتفضت لمساءلة الشركة المتعهدة ومحاسبتها.

وعليه فإن المشكلة لم تحل بعد، إنما جرى "شفطها" و"شطف" آثارها عن الآثار، فهل تكون هذه الحلول المؤقتة لتمرير المهرجانات فقط بعيداً عن اعتبارات اخرى كأهمية القلعة ومعاناة أهالي بعلبك، كما هي العادة في لبنان؟ الأيام المقبلة كفيلة بتوضيح الصورة أكثر.




Script executed in 0.046688795089722